المغتربون السودانيون 

المغتربون السودانيون … سند الوطن في زمن المحنة

منذ القدم عُرف السودانيون في المهجر بترابطهم وتكاتفهم ، لم تكن الغربة يوماً سبباً للفرقة، بل كانت مدرسة للتلاحم صقلت معادنهم وأظهرت أصالتهم. 

في الغربة تجد الشقة الواحدة يقطنها شباب من مدن مختلفة ، يتقاسمون اللقمة والإيجار والهم والموظف منهم لا يبخل على زميله الذي لم يجد عملاً، فينفق عليه كأنه أخوه الأصغر هكذا نعيش . هكذا السوداني أينما حلّ بنى وطناً مصغراً يحمل ملامح بلده وقيمه.

حين اشتدت المحنة… كانوا السند

ومع اندلاع الحرب في السودان وانقطاع سبل العيش ، وفقدان كثيرين لمصادر رزقهم، وتهدم البيوت ، وانهيار الخدمات . ظهر معدن المغترب السوداني الحقيقي.

لم يكن أمام الأهل في الداخل إلا الله ثم أبناؤهم وبناتهم في الخارج. فتحول المغترب إلى (بيت مال) للأسرة الممتدة . لم يقتصر الأمر على الأبناء والبنات فقط، بل شمل الخال والعم ، والكبير والصغير، والقريب والبعيد.

تكفلوا بالسفر، وتحملوا تكاليف العلاج، وسدّوا حاجة المنزل الشهرية، وأرسلوا الدواء والغذاء. حملوا همّ الوطن على أكتافهم رغم ضغوط الغربة ومصاريفها، ولم يتوانوا لحظة.

مبادرات من أرض الغربة لأهل الوطن

لم يقف العطاء عند حدود الأسرة فقد أطلق المغتربون مبادرات عظيمة من دول المهجر

مبادرات الكسوة والإغاثة

شباب في السعودية والإمارات وقطر يجمعون الملابس والأغطية ، ويشحنونها لتوزيعها على الأسر المتعففة والنازحين ومتضرري السيول مع كل عيد وموسم شتاء.

إفطارات الجالية السودانية في دولة قطر

 خلال شهر رمضان تنظم الجالية السودانية في قطر إفطارات جماعية متنوعة تعكس روح التكافل والترابط.

إفطارات المركز الثقافي السوداني

تجمع سنوي كبير يشارك فيه أبناء الجالية السودانية من مختلف المهن والمناطق.

إفطارات الروابط المهنية والمناطقية

تقيم الروابط والكيانات الفرعية إفطاراتها السنوية في قاعات مختلفة.إفطارات الشوارع والأحياء: تُعرف بـ (إفطار الطريق) ، حيث تتم دعوة المارة وتوزيع الوجبات الشعبية. وتهدف هذه المبادرات إلى تعزيز التواصل بين أبناء الجالية وعدم ترك أي فرد يفطر بمفرده.

جانب من إفطار رمضان في الدوحة

بلادي أمان . بلادي حنان وناسها حنان يكفكفوا دمعة المفجوع

يبدوا الغير على ذاتهم يقسموا اللقمة بيناتهم

ويدوا الزاد حتى إن كان مصيرهم جوع يحبوا الدار

يموتوا عشان حقوق الجار ويخوضوا النار عشان فد دمعة

وكيف الحال كان شافوها سايلة دموع ؟

لطالما تميز السودانيون في المهجر بروح التكافل والترابط. فلم تكن الغربة سبباً في تفرقهم، بل كانت دافعاً لهم ليشكلوا مجتمعات صغيرة متماسكة. يتقاسمون فيها كل شيء، ويقدم بعضهم بعضاً على نفسه، مصداقاً لمبدأ “الأولى فالأولى” . فالسوداني أينما وجد، حمل معه قيم بلده وبنى وطناً مُصَغَّرًا

الأستاذ تاج السر عبد الله عثمان

ومن النماذج المشرفة التي كان لها أثر كبير في الجالية السودانية بالدوحة، الأستاذ تاج السر عبد الله عثمان 

على مدى ما يقارب عشرين عاماً، كان الأستاذ تاج السر جزءاً أصيلاً من الحراك المجتمعي للسودانيين في قطر. ساهم في رابطة سوا للمرأة السودانية، ورابطة عزة السودانية، والعديد من الروابط المهنية والإقليمية كرابطة الماليين والمحاسبين. ومن أبرز مبادراته ، تقديم دروس مجانية في اللغة الإنجليزية متخصصة في مجال العمل ، بهدف إعداد الشباب للمقابلات الشخصية وزيادة ثقتهم بأنفسهم. وكان من المشاركين في تأسيس نادي اللغة الإنجليزية الذي بدأ في حديقة الريان ثم انتقل إلى المركز الثقافي السوداني واستمر لعامين.

مبادرة الأخ بشير أبو الغيث لنقل الدواء

الأخ بشير وإخوانه نموذج للعطاء. كان بشير يعمل في شركة بدر للطيران بالدوحة، فتطوع بمبادرة إنسانية: يستلم الأدوية من المغتربين هنا، ويسافر بها مجاناً إلى السودان، وإخوانه هناك يتولون توزيعها على المرضى المحتاجين . كانت خدمة مجانية أنقذت أرواحاً كثيرة. واليوم نناشد شركة بدر للطيران أن تعيد هذه المبادرة ، فالناس ما زالوا في أمس الحاجة لها.

مبادرة “سوا” – رابطة المرأة السودانية في دولة قطر

مبادرة (سوا) (رابطة المرأة السودانية في دولة قطر) هي كيان مجتمعي فاعل ينشط في الدوحة لتعزيز الترابط بين أبناء الجالية. تشمل أبرز مبادراتها الأنشطة الاجتماعية، الفعاليات الخيرية لدعم الأسر، الاحتفالات الوطنية بالتعاون مع الجالية السودانية بدولة قطر، بالإضافة إلى الفعاليات الصحية ألتوعوية مثل حملات “أكتوبر الوردي” بالتعاون مع رابطة الأطباء السودانيين بدولة قطر.

تضامن الجالية مع الممرضة رانيا حسن أحمد

نفس الروح وجدناها في كل مكان تواجد فيه السودانيون. ففي المملكة العربية السعودية تضامن الجالية مع الممرضة رانيا حسن أحمد من المواقف التي أظهرت معدن أبناء الجالية السودانية، قصة الممرضة رانيا العاملة بمستشفى في مدينة تبوك. 

تعرضت لحكم قضائي بإلزامها بدفع دية وتعويض قدره 802 ألف ريال سعودي، على خلفية خطأ طبي غير مقصود أثناء عملها في قسم العناية المركزة للأطفال وهنا تجلت أسمى معاني التكافل، حيث بادرت الجالية السودانية في تبوك ومعها أبناء الجاليات العربية الشقيقة بجمع المبلغ كاملاً في أقل من 12 ساعة. 

كان هذا التضامن السريع دليلاً على لحمة أبناء الوطن الواحد ووقفتهم مع بعضهم في المحن جزى الله كل من ساهم خير الجزاء.

شكراً لمن فتحوا القلوب قبل الحدود

شكر وتقدير لدول الجوار والصديقة ولا يفوتنا في هذا المقام أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لدول الجوار والدول الشقيقة التي فتحت أبوابها وقلوبها للسودانيين في محنتهم

مصر والسعودية وقطر وعدد من الدول الأخرى… لم تكن هذه أمثلة للحصر، وإنما هي جزء من البلاد التي مدت يد العون.

قدمت التسهيلات ، واستضافت، وعالجت ، ودرّست، لأنها رأت أن السوداني يستحق يستحق الكرامة ويستحق السند ونحن لا ننسي الجميل.

فشكراً لكم على وقفتكم الأصيلة في زمن الشدة.

خاتمة: شكراً من القلب

إلى كل مغترب سوداني: أنتم الأبناء البارون، وأنتم الرجال والنساء الذين حملوا الوطن في قلوبهم ولم ينسوه في عسره قبل يسره. شكراً لأنكم كنتم السند، وشكراً لأنكم أثبتم أن السوداني أينما كان سوداني أصيل

سلمى تاج السر  

Salma. TajElsir123@hotmail.com 


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *