جمال الأسلوب: سحر يفتح القلوب ويغير المصائر

الملك والرؤيا
يُروى أن ملكاً رأى في منامه رؤيا أقلقته، إذ رأى أن جميع أسنانه تتكسر وتتساقط حتى لم يبقَ منها شيء،
فزع الملك واستدعى على الفور مفسراً للأحلام ليخبره بتأويل ما رأى، فجاءه الأول بصراحة جافة فقال: إن رؤياك تدل على أن جميع أهلك وأقاربك سيموتون قبلك وستبقى وحيداً بعدهم. فغضب الملك غضباً شديداً وعدّ ذلك فألاً سيئاً وأمر بسجن المفسر. ثم استدعى مفسراً آخر، فلما قصّ عليه الرؤيا فكّر قليلاً ثم قال: أبشر أيها الملك إن رؤياك تدل على أن الله سيطيل في عمرك، وستكون أطول أهلك عمراً.
فسرّ الملك سروراً عظيماً من هذا التفسير الحكيم، مع أنه يحمل نفس المعنى الأول، ولكنه قُدّم بأسلوب لطيف رقيق، فأمر للرجل بجائزة عظيمة مكافأة له على حسن منطقه، وهنا تتجلى العبرة، فالمعنى واحد، ولكن الأسلوب هو الذي صنع الفرق بين السجن والجائزة.
جمال الأسلوب
ومن هذه القصة ندرك أن جمال الأسلوب هو فن اختيار الألفاظ المناسبة في الوقت المناسب، وتقديم المعنى بطريقة تجذب المتلقي وتريحه. وهو القدرة على إيصال الفكرة دون تجريح، وعلى النقد دون هدم.
فالأسلوب الجميل لا يغيّر الحقيقة، ولكنه يكسوها بثوب من الرقة يجعلها مقبولة لسامعيها.
أثر الأسلوب في حياتنا اليومية
إن الأسلوب في الكلام له أثراً بالغاً في حياة الفرد والمجتمع، فبه تُكسب القلوب وتُستمال النفوس، وبه تُحل أعقد المشكلات التي تعجز عن حلها القوة والسلطة. والأسلوب الحسن يجعل من الناصح محبوباً، ومن المعلم مرغوباً، ومن القائد مُطاعاً، كما أنه يطفئ نار الغضب، ويلين الطباع الشديدة، ويزرع المودة مكان الجفاء
مثال:
بدل أن تقول لابنك (أنت فاشل) قل (أنا واثق بأنك المرة القادمة ستحصل علي نتيجة أفضل) نفس المعني لكن هنالك فرق كبير في الأثر.
إننا في أمس الحاجة إلي جمال الأسلوب في البيت بين الزوجين والأبناء، وفي العمل بين المدير والموظفين، وفي الإعلام لترتقي العقول، وحتى على مواقع التواصل نحتاج إلى من يذكرنا بأن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وأن الرد الجميل أقوى من ألف تعليق هجومي.
الخاتمة:
جمال الأسلوب ليس ضعفاً ولا مجاملة، وإنما هو قوة وحكمة ودليل على رجاحة العقل، فلنحرص على انتقاء كلماتنا كما ننتقي أطايب الثمر، ولنتذكر أن الناس قد ينسون ما قلته، ولكنهم لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون، فليكن لساننا ميزاناً، وحديثنا بلسماً، وأسلوبنا جسراً نعبر به إلى قلوب الآخرين.
سلمى تاج السر


اترك تعليقاً