الخيل تجقلب والشكر لحماد

بين البطولة والإنصاف

الأمثال الشعبية ليست مجرد كلمات تتناقلها الألسن، بل هي حكايات تختصر تجارب الناس، وتحمل في طياتها دروسًا لا يطويها الزمن. ومن أشهر الأمثال السودانية قولهم: الخيل تجقلب، والشكر لي حماد.

الرواية المتداولة

تروي إحدى الروايات المتداولة أن معركةً ضارية دارت بين قبيلتين، واشتد فيها القتال حتى اختلط غبار الخيل بصليل السيوف. وفي وسط المعركة أصيب قائد الفرسان إصابة بالغة، فأسرع ابنه حماد نحوه، وحمله بعيدًا عن ساحة القتال، لينقذ حياته.

وفي الوقت نفسه، ظل بقية الفرسان، يتقدمهم شقيقه عبد الله، يقاتلون ببسالة، ويحمون انسحاب والدهم حتى لا يقع في قبضة الأعداء. كان لكل منهم دور حاسم في نجاة القائد وانتهاء المعركة بأقل الخسائر.

لكن ما إن هدأت ساحة القتال حتى انصرف الناس إلى الثناء على حماد وحده، لأنه كان الأكثر ظهورًا أمام أعينهم، بينما غاب ذكر أولئك الذين قاتلوا وضحوا حتى اكتملت المهمة. عندها وُلد المثل الخيل تجقلب، والشكر لي حماد ليصبح رمزًا لكل موقف يُنسب فيه الفضل إلى شخص واحد، بينما يغيب أصحاب الجهد الحقيقي عن المشهد.

العبرة

يذكّرنا هذا المثل بأن العدالة لا تقتصر على رؤية النتيجة، بل تمتد إلى معرفة من كان وراء صنعها. فكثيرون يعملون بصمت، ويبذلون الجهد ويزرعون بذور النجاح، دون أن تتجه إليهم الأضواء أو ينالوا ما يستحقونه من تقدير، بينما يحصد آخرون كلمات الثناء.

ولذلك يبقى الإنصاف قيمة عظيمة لا تكتمل إلا برد الفضل إلى أصحابه، فالتاريخ قد يغفل عن بعض الأسماء، لكن الحق لا ينسى من صنعوه بصدق وإخلاص.

وهذه هي طبيعة الحياة؛ فقد يتعب الإنسان سنوات طويلة، ثم يُنسب نجاحه إلى غيره. ومع ذلك، فإن صاحب الضمير الحي لا يتوقف، لأنه يدرك أن عمله رسالة قبل أن يكون وسيلة لنيل المدح، وأن القيمة الحقيقية لا تكمن في تصفيق الناس، بل في رضاءه عن نفسه، ويقينه بأنه أدى ما عليه بإخلاص.

الغرض من المثل

يهدف هذا المثل إلى تذكيرنا بأن الجهد الصادق لا يضيع، حتى وإن تأخر الاعتراف به، وأن الإنسان ينبغي أن يستمر في العطاء والعمل بإخلاص، وألا يجعل تقدير الآخرين هو المقياس الوحيد لنجاحه، فالأعمال العظيمة تبقى، مهما تأخر إنصاف أصحابها

سلمي تاج السر

Salma.TajElsir123@hotmail.com


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *